
بقلم الأستاذ: محمد حسنيين هيكل
أولاً: إمبراطورية قطاع خاص!
تظل الإمبراطورية الأميركية قضية أساسية تستدعى البحث والدرس، وبعدها فإن ما جرى ويجري في العراق طوال الأسابيع الأخيرة عملية ممارسة لقوة هذه الإمبراطورية تثير الألم والوجع، وسوف تظل كذلك حتى يجيء الأوان ويتمالك العالم أعصابه وإرادته لكنه بدون البحث والدرس في القضية الأساسية فأي تناول للممارسات سطحي، وكل وصفة لعلاجها مهدئ، يداري عِللها ولا يداويها!
وعليه فإن الوقوف أمام المشروع الإمبراطوري الأميركي سواء في ذلك نظرياته المتطورة مع الوسائل الحديثة، أو رجاله المتغيرون مع العصور المستجدة هو الذي يشرح ما جرى ويجري في العراق (وربما في غيره)، ويكشف كيف جاء رجال من أمثال < <ريتشارد تشيني> (نائب الرئيس الأميركي الحالي)، و< <دونالد رامسفيلد> (وزير الدفاع ومهندس حملة العراق)، و< <بول وولفويتز> (مساعد وزير الدفاع) و< <ريتشارد بيرل> (رئيس لجنة سياسات الدفاع السابق) فأمسكوا بمفاتيح القرار الأميركي، ثم فتحوا الأبواب على آخرها واحتلوا واحدة من أغلى العواصم، وأغناها إسهاما في الثقافة العربية الإسلامية، وأبرزها تأثيرا في المحيط الحضاري الإنساني الأوسع والأكبر.
وليس أشد إثارة للملل في الفكر العربي المعاصر من هؤلاء الذين ينسبون كل وقائع التاريخ إلى تدبير المؤامرة غير أولئك الذين يتوهمون أن الإمبراطورية مبرة خيرية، وأن مطالب الهيمنة دعوة هداية ورُشد تشع من البيت الأبيض الأميركي، أو من وزارة الدفاع (البنتاغون) أو من مقار الشركات العملاقة أو من مراكز الأبحاث والدراسات الاستراتيجية ابتداءً من < <مجلس العلاقات الخارجية> في نيويورك وحتى مؤسسة < <راند> في كاليفورنيا.
وداعي الملل أن أصحاب نظرية التاريخ المتآمر، ومعهم أنصار نظرية الهيمنة العذراء كلاهما يثير الغبار والدخان من حول واقع الحال، ومجمله أن العلاقات الدولية صراعات قوى، ومصالح تمارس فعلها بالنار، وتندفع إلى سباق الحياة بأقصى سرعة يسمح بها العقل والعلم، وهي تجرب فرض إرادتها بكل الوسائل علنا وسرا إقناعا وقسرا حربا مكشوفة أو تربصا في الظلام. وهنا فإن التاريخ يصعب جزافا اعتباره مؤامرة مستمرة، لكن في اللحظة نفسها يصعب إطلاقا اعتباره فردوسا للأطهار!
والواقع أن تاريخ الإمبراطوريات يكشف أشياء، كما أن تجربة هذه الإمبراطورية الأميركية تضيف إلى الكشف القديم أشياء أكثر، لأن هذه الأخيرة ظاهرة مستجدة، كما أن صُنَّاعها طراز مختلف عمن سبقوهم على نفس الطريق، فلم يحدث من قبل أن اختلطت المشروعات الإمبراطورية الكبرى بالمصالح الشخصية المباشرة كما يحدث في حالة المشروع الإمبراطوري الأميركي اليوم، وأول الأسباب أن التجربة الإمبراطورية الأميركية في الجانب الرئيسي منها مشروع مالي (شبه خاص!) وهنا اختلافه عما سبقه. ومع التسليم بالعلاقة العضوية بين الإمبراطورية والثروة فإن المشروع الأميركي غَيَّر ترتيب العلاقة وبَدَّل تركيبتها، وجاء بأحوال غير مسبوقة في نشأة الإمبراطوريات وقيامها.
………………..
………………..
وهنا يكون مناسبا طرح عدد من البدهيات قبل الاستطراد في الموضوع:
1 منها أن < <الإمبراطورية> حلم لا يقوم على المزاج الشخصي لأمير أو ملك أو رئيس يستهويه أن يسمي نفسه إمبراطورا، (مثل < <هيلاسلاسي> الذي اتخذ لقب إمبراطور إثيوبيا (لعموم أفريقيا) في أوائل القرن العشرين، أو مثل < <بوكاسا> الذي قام بوضع تاج على رأسه في أواخر نفس القرن إمبراطورا على طريقة < <نابليون>، فتلك وغيرها من نزوات البشر) بل يقوم الحلم الإمبراطوري على ضرورات أمن وطني، ومطالب صراع دولي، وحوافز سباق نحو التوسع والثروة على اتساع القارات وعبر المحيطات، كما حدث في التاريخ الحديث مع إمبراطوريات البرتغال وهولندا وأسبانيا وبريطانيا وفرنسا (وغيرها).
2 ومنها أن < <الإمبراطورية> لا تظهر وتكبر بطريقة عفوية وتلقائية، وإنما تنشأ وتكبر بدرجة من القصد والجهد تتولى تصميم وهندسة المشروع الإمبراطوري، وتقوم على توجيه حركته، لأنه ليس هناك وطن أو أمة أو دولة تنام في المساء وتستيقظ في الصباح، فإذا هي قوة إمبراطورية غالبة، قادرة على تطويع غيرها وحكمه، وإنما يتشكل أي مشروع إمبراطوري بضرورات، ومطالب، ووسائل، وأدوات واعية وفاعلة، وحتى إذا بدت نشأة المشروع الإمبراطوري حلما فإن ظهور الحلم خلافا للوهم سعيه الدؤوب والمقتدر إلى تجاوز الحدود لتحقيق طلبه خطوة واثقة بعد خطوة واثقة!
3 ومنها أن الإمبراطورية في تلك الأحوال كانت مشروعات كبرى لشعوب وأمم ودول، تحمل بها الأمراء (مثل < <هنري الملاح> في البرتغال) والملوك (مثل إليزابيث الأولى في بريطانيا) والوزراء (مثل < <كولبير> وزير < <لويس الرابع عشر> في فرنسا) وكان هؤلاء الأمراء والملوك والوزراء هم الذين وجهوا رجالهم إلى ركوب البحر واجتياز البر (مثل < <كريستوفر كولمبوس> الذي اكتشف أميركا لحساب ملوك أسبانيا ومثل < <فاسكو داغاما> الذي اكتشف طريق رأس الرجاء الصالح إلى الهند لصالح ملوك البرتغال، وأقام مستعمرة أنغولا على الشاطئ الغربي للقارة الإفريقية ومستعمرة موزمبيق على شاطئها الشرقي ومثل < <كلايف> غازي الهند ومؤسس حكومتها البريطانية في < <كلكوتا> ثم في < <دلهي>)، والمعنى أن الإمبراطورية كانت دائما مشروعا عاما يحمل رمزا ملكيا، ويحمل راية وطنية، ويمثل مصلحة عليا، وهو بهذا التكليف يحرك الأساطيل ويوجه الجيوش، ويغزو البلدان، ويحكم الأقوام، ويستولي على الثروات.
4 ومنها أن الإمبراطورية على طول الزحف الإمبراطوري من القرن الخامس عشر وحتى القرن العشرين كانت مجلبة للمنافع العامة: الاقتصادية والاستراتيجية، ووسيلة لتكديس تراكم في الثروة فاق الحدود في بعض الأحيان لكن نسق الحقائق بقي جليا طول الوقت:
أي ظلت الإمبراطورية مشروعا وحافزا عاما لشعب أو أمة تعبر عنهما إمارة أو مملكة أو دولة تحصلت على أدوات المنعة والقوة.
وظلت حظوظ الأفراد في الثروة تالية للإمبراطورية (حتى وإن مشت بعض الطلائع على مسؤوليتها تمهد وتجس الأرض وتستكشف) أي إن المكاسب الرأسمالية الطائلة كانت مثل العربة تجيء وراء القاطرة وليس قبلها.
5 وظلت الإمبراطورية موقع القيادة، لا ترضى للقوة أن تتورط وراء الطمع بغير تدبر، ثم إنه بعد أن تؤدي القوة دورها الإمبراطوري المحسوب، يكون للفرصة الشخصية أن تبحث عما تريده حيث تجده!
? وعلى سبيل المثال تظل الإمبراطورية الأسبانية في أميركا اللاتينية في بعض جوانبها قصة تُعاد صياغتها وتستعاد روايتها في تجارب إمبراطورية متعددة، فقد اشتهرت بدايات ذلك العصر الإمبراطوري الأسباني بأنها < <القرن الذهبي لأسبانيا>، وعلى طول ذلك القرن فقد خصص الملوك الأسبان أقوى أساطيلهم في المحيط الأطلسي لجلب الذهب، وقد عرف هذا الأسطول باسم < <أسطول الكنوز>، وكانت سفنه هي الأحدث والأسرع، والحاملة لأقوى المدافع، وقادته أنجح أمراء البحر الأسبان.
وكانت كنوز ممالك < <مونتزوما> في المكسيك < <والانكا> وسط جبال < <الإنديز> هي نهر الذهب الذي سال وفاض، حتى أُعيد صب قناطير منه مرة على شكل سرير من الذهب الخالص، تستقبل عليه الملكة < <إيزابيللا الثانية> عُشاقها في قصر الأرانخويز (ضاحية مدريد الجميلة).
أي إنه بصرف النظر عن سفاهات الملوك والأباطرة فإن قواد حملات جلب الذهب الأسبان مثل < <كورتيز> (الذي نهب كل ما عثر عليه من ذهب مملكة < <مونتزوما>)، ومثل < <بالبوا> (الذي نهب ذهب قبائل أميركا الوسطى) عملوا باسم الملوك ولحسابهم، حتى إن < <بالبوا> عندما عبر برزخ بنما من الغرب إلى الشرق ورأى المحيط الهادئ أمامه قام بسرعة بتنظيم مراسم احتفال يعلن فيه أن هذا المحيط اللامتناهي أصبح من هذه اللحظة بحرا خاصا مملوكا مباشرة < <لصاحب الجلالة الأسبانية>.
ولعل محاضر مجلس العموم البريطاني بالذات محضر يوم 11 فبراير سنة 1868 تقدم نموذجا دقيقا لعلاقة العام والخاص في المشروع الإمبراطوري.
كان اجتماع مجلس العموم يومها مخصصا لبحث نفقات واحدة من الخبطات الإمبراطورية المشهورة في التاريخ البريطاني، هي صفقة شراء حصة مصر في شركة قناة السويس، وكان خديوي مصر (< <إسماعيل باشا>) قد عرضها للبيع مقابل أربعة ملايين من الجنيهات الذهبية، وبادر رئيس الوزراء البريطاني وقتها < <بنيامين دزرائيلي> (وهو اليهودي الوحيد الذي وصل لرئاسة الوزارة البريطانية حتى اليوم) إلى قبول العرض، ولأن مجلس العموم البريطاني كان في إجازة ولأن الخزانة البريطانية لم تكن تستطيع تدبير وتقديم هذا المبلغ سرا (حتى لا يعرف به منافس أو عدو) ولأن تدبير المبلغ كان لا بد أن يحصل بسرعة (لأن خديوي مصر يتعجل وصول الذهب إلى يديه) فإن < <بنيامين دزرائيلي> قام بإقناع عائلة < <روتشيلد> بإقراض المبلغ للحكومة البريطانية وتجهيزه في ظرف 24 ساعة كي تحمله الباخرة < <بليموث> قبل أن تبدأ رحلتها العادية إلى الإسكندرية، ويجري تسليمه إلى خديوي مصر مقابل تسلم أسهمه في شركة قناة السويس.
وطبقا لمحضر مناقشات مجلس العموم (المجلد الثالث الصفحات من صفحة 652 إلى صفحة 661 بتاريخ 21 فبراير 1876) فإن وزير الخزانة طلب من المجلس اعتماد الصفقة وتخصيص المبلغ اللازم لها، وفوقه مقدار العمولة المستحقة عليها (بنسبة 15%) < <للسادة روتشيلد> وشركاهم.
كان وزير الخزانة السير < <ستافورد نورثكوت> هو الذي عرض مشروع القرار، لكنه عندما احتدمت المناقشات وقف رئيس الوزراء < <دزرائيلي> بنفسه يرد على تساؤلات واعتراضات عدد من أعضاء المجلس انتقدوا الصفقة بما فيها دور < <روتشيلد>، متسائلين عن سبب الاستعانة ببيت مالي، وتركز الكثير من سخطهم على حجم عمولته:
ولعلعت أصوات المعارضين في مجلس العموم ذلك اليوم.
? كان بعضهم يرى أن قناة السويس مشروع فرنسي لا يصح لبريطانيا أن تشارك فيه، لكن رئيس الوزراء < <دزرائيلي> قال إن ذلك الرأي كان من البداية < <قِصَر نظر إمبراطورياً> لا يغتفر للمسؤولين عنه في وقته، لأن قناة السويس أقرب طريق إلى الهند، وعلى بريطانيا أن تعوض الآن ما فاتها بشراء حصة تُقارب النصف في شركة قناة السويس (وهي حصة مصر).
(وكان بعضهم يتخوف من أن شركة قناة السويس اشترطت لكى تعطي حصة لخديوي مصر، أن تكون أسهمه صامتة ليس لها حق في التصويت في مجلس إدارة الشركة، أي إن ممثلي الخديوي أعضاء لهم حق الحضور دون حق الكلام، ورد < <دزرائيلي> الإنكليزي بأن < <الأعضاء المحترمين الذين أشاروا إلى أن الحصة المصرية صامتة ينسون أنها عندما تصبح في يد الحكومة الإنكليزية فإنها سوف تكتسب بالضرورة مقدرة النطق، وبالتالي حق التصويت).
? وكان بعضهم يتساءل عن حكمة الاستعانة ببنك خاص لتمويل الصفقة، ورد < <دزرائيلي> بأن < <مجلس العموم كان في إجازة ولو دعا لجلسة طارئة لَلَفَتَ ذلك أنظار العالم بما فيه الحكومة الفرنسية، وهي كفيلة بأن تصطنع من العراقيل ما يكفى لإفساد الصفقة، لتحول دون دخول الحكومة الإنكليزية بحصة تقارب النصف في شركة القناة.
? وأخيرا أبدى بعضهم شكه في دور < <البيت المالي> الذي كُلف بالمهمة وجهز الذهب في أربع وعشرين ساعة، ثم تقاضى عمولة مقدارها 15%، ورد < <دزرائيلي> متسائلا في البداية: < <هل يتصور الأعضاء المحترمون أن المستر <<روتشيلد> أو غيره من الأغنياء يحتفظ تحت يده نقدا سائلا بمبلغ كبير من الذهب يوازي المطلوب لشراء حصة النصف في شركة قناة السويس؟ ثم رد على سؤاله قائلا: < <بالطبع لا يوجد مثل هذا الرجل لا <<روتشيلد> ولا غيره، والذي جرى أن < <روتشيلد> في سبيل توفير ما طلبته الحكومة منه، اضطر إلى بيع كميات كبيرة من أوراقه المالية، وفعل ذلك بسرية وهدوء حتى لا تنخفض أسعار هذه الأوراق، وبرغم ما تحوط به فإنه بسبب ضخامة المبلغ تعرض < <روتشيلد> لخسائر، ومع ذلك أنجز الرجل مهمته، وقدم الذهب ودفعته الحكومة البريطانية في موعده، وبالتالى فإنه خدم الإمبراطورية ولا نملك في المقابل أن نعاقبه.
ثانياً: تحذير في الوقت المناسب
لم يسمعه أحد!
يتأكد مع وقائع كل يوم أن الاختلاف الأهم بين الإمبراطورية الأميركية والإمبراطوريات الأوروبية التي سبقتها هو تلك العلاقة مع رأس المال، ففي التجربة الأوروبية كان رأس المال يتبع الإمبراطورية ويمشي وراءها يلتقط فضلات غزواتها متأكدا من حمايتها وأما في التجربة الأميركية فقد انعكس الترتيب وأصبح رأس المال الأميركي هو الأسبق على الطريق الإمبراطوري، وقد ساوره الوهم في البداية بقدرته على حماية نفسه وغيره أيضا لكنه لم يلبث أن عرف حدوده فراح يستدعي وراءه جيوش الإمبراطورية وأساطيلها.
………………..
…………………
(وربما يتذكر البعض أن شركة < التي وقع هجوم إرهابي في أوائل شهر مايو الماضي على المجمع السكني المتميز لموظفيها في عاصمة السعودية بدأت كشركة أعمال حراسة تتولى تأمين حقول البترول والآبار وخطوط أنابيب نقل البترول، وهي بطول عشرة آلاف كيلومتر مكشوفة في العراء، وبعضها مثل منطقة < <أبقيق> مركز تجمع يتدفق منه أكثر من ثلاثة أرباع ثروة المملكة، كما أن الخطوط منها إلى ميناء ينبع ممتدة عبر الصحراء من الخليج إلى البحر الأحمر. وكانت شركة < تعمل بمقتضى عقد مع شركة < <أرامكو>، ولتحقيق عقدها استخدمت شركة < أكثر من عشرين ألف موظف، ضمنهم ثمانية عشر ألف حارس مسلح أي إنه نظام أمن خاص لمصالح خاصة.
وفي ما بعد أنشأت شركة < هيئة عسكرية مستكملة تتولى تدريب قوات الحرس الوطنى السعودي، وكان ذلك قبل أن تهب العواصف على الخليج، وتنزل القوات الأميركية بكامل سلاحها وعتادها وخططها تعزيزا وتدعيما لشركة أرامكو وشركة < معا (الحارس والمحروس!).
وكانت العلاقة بين المال والإمبراطورية متسقة إلى حد ما مع روح التجربة الأميركية، باعتبار أن الجهد الفردي الخاص هو الذي توسع في القارة الأميركية وانتشر، وهو الذي مشى بالتركيبة الأميركية الفريدة من جماعات مهاجرين، إلى تجمعات مستوطنين، إلى مجتمعات مدن وولايات، ثم إلى دولة أميركية سعت إلى ضم الجميع تحت علم واحد، حتى بوسيلة الحرب الأهلية بغية تعزيز سلطة هذا العلم الواحد، لكى يرفرف على سوق أكبر تضم الشمال الصناعي إلى الجنوب الزراعي.
وعندما انطلق رأس المال الأميركي بعد الحرب الأهلية إلى مغامراته الخارجية، فإنه بدأ بالأقرب، أي أميركا الوسطى، وهناك أخذ يستولي على امتيازات الأرض الزراعية الأكثر خصبا كما فعلت شركة < <الفواكه المتحدة> في < <بنما> و< <كوستاريكا> و< <غواتيمالا> وغيرها.
ثم كانت الخطوة التالية بعد الأقرب هي الأقل بعدا أي أميركا اللاتينية، وهكذا بدأت على سبيل المثال مغامرة < <جون روكفلر> الكبيرة في البحث والتنقيب عن بترول < <فنزويلا> ثم في غيرها، حتى جاء الدور بعد ذلك على البعيد في آسيا وفي الشرق الأوسط.
وفي < <فنزويلا> كان متوسط دخل < <روكفلر> من مغامرته عشرة ملايين دولار سنويا، وهو في ذلك الوقت مبلغ يوازي نسبة ستة في المئة من الدخل القومي الأميركي، وعندما طلب < <روكفلر> حماية الدولة الأميركية فإنه كان يعتقد بحق مكفول له. كان < <روكفلر> قد استعمل في تأمين مصالحه في < <فنزويلا> وسائل مرعبة، منها نقل قبائل كاملة من مواطنها، وإبادة مجتمعات بأسرها من وجه الأرض، وعندما تعرضت مصالحه للخطر، أصبحت حاجته ملحة إلى سلاح الدولة الأميركية يلحق بشركته وكانت تلك نقلة محورية على طريق الإمبراطورية.
ولم تكن مغامرة < <روكفلر> قصة فريدة من نوعها، بل كانت نموذجا تكرر عشرات المرات، ولم تقتصر المغامرات المالية على الزراعة والبترول، وإنما توسع النشاط ليشمل كل مجالات استغلال الموارد الطبيعية ومصادر الثروة الظاهرة والكامنة إلى درجة الاستيلاء على البلدان والأسواق بكاملها بشكل أثار القلق.
وربما أدرك < <روكفلر> وغيره أن عملياتهم المباشرة تبدو لكثيرين قرصنة عدوانية، وكان اجتهادهم أنها تحتاج إلى قناع، وبدا لروكفلر ولغيره أن أفضل وسائل التخفي هي تحويل مصالحهم من شركات استغلال مباشر ومكشوف إلى بيوت مالية للاستثمار تدير أعمالها من قواعد بعيدة، وتتستر وراء واجهات واسعة تحمل لافتات أكثر احتراما، وكذلك أنشأت أسرة < <روكفلر> مجموعة بنوك اندمجت معاً في ما بعد، والتحفت بغطاء بنك واحد شهير أنشأته هو مجموعة < <تشيز مانهاتن بنك>، ومشى آخرون غير أسرة < <روكفلر> على نفس الطريق.
وكذلك أصبح بنك الاستثمار واجهة للنشاط الرأسمالي الأميركي أكثر ذكاءً وحصافة في تغطية المصالح من ناحية، وفي تدبير حمايتها من ناحية أخرى بتليين السياسة وتحضيرها لمهام شبه إمبراطورية، ثم إن مجموعات بنوك الاستثمار أصبحت أهم < <جماعات الضغط> التي حرضت على التدخل الأميركي العسكري في الحرب العالمية الأولى، وجَرَّت الولايات المتحدة وراءها عبر المحيطات، ودفعتها لإرسال الجيوش عبر القارات تحمي مصالحها، وتفرض لها حقا في شراكة حيوية مع المصالح الإمبراطورية الأوروبية المتسيدة وقتها (وإرثها في الوقت المناسب).
أي إن الإمبراطورية الأميركية راحت تتقدم خطوة بعد خطوة رغم أن الدولة الأميركية بقيت حتى تلك اللحظة بين إقدام وإحجام حائرة بين جموح الرغبة وبين محاذير الخطيئة.
وعندما انتهت الحرب العالمية الأولى، قدر الرئيس الأميركي وقتها < <وودرو ويلسون> أن أميركا ليست مستعدة بعد لمنافسة الإمبراطوريات الأوروبية (فضلا عن إرثها)، واستقر رأيه على إعادة الجيوش الأميركية من ميادين القتال في أوروبا دون مشاركة في النظام الدولى الذي أقامته الحرب العالمية الأولى وهو عصبة الأمم. وكانت تلك العودة خيبة أمل كبيرة لرأس المال الأميركي، الذي راعه أن < <دولته الأميركية> تأخرت في إعداد نفسها لمهام الإمبراطورية.
وبطبيعة رأس المال وبالذات في مناخ التجربة الأميركية، فإنه رغم تبرمه من ضيق خيال الدولة الأميركية أو ربما بسبب هذا التبرم قرر أن يتصرف على مسئوليته، ويحاول تعويض قصور الدولة الغائبة بجهده السَبَّاق. وهنا وقع تحول أساسي في التمهيد والتهيئة والإعداد في عملية صنع القرار السياسي مؤدى هذا التحول الأساسي أن رأس المال قرر أن يمسك الضرورة الإمبراطورية في يده، ويصنع لنفسه أدوات هي بطبيعتها احتكار للدولة (على الأقل في ذلك المنعطف من التاريخ).
وبدون الدخول في تفاصيل متشعبة فقد كانت تلك هي اللحظة التي قررت فيها الرأسمالية الأميركية أن توفر لنفسها قواعدها < <شبه السياسية>، وهيئاتها < <شبه الحكومية>، ورؤاها < <شبه الاستراتيجية>، وكان ذلك تطورا بالغ الأهمية شديد الحساسية.
فالعادة في التجارب الإمبراطورية السابقة أن السياسة (حربية وغير حربية) لا مجال لها خارج إطار الدولة (لأن ذلك تكليفها الأهم) كما كانت العادة أيضا أن قرار الدولة واقع تحت المسؤولية الدستورية (للحكم) وكذلك كانت العادة أن الت
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |